سالم بن عبايد الكعبي
عضو نشيط
تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لايريدون علوا في الأرض ولا فسادا
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا ,, وبعد ,,
قال تعالى :
{تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ }القصص83
قال بن كثير :
يخبر تعالى أن الدار الآخرة ونعيمها المقيم الذي لا يحول ولا يزول جعلها لعباده المؤمنين المتواضعين الذين لا يريدون علوا في الأرض أي ترفعا على خلق الله وتعاظما عليهم وتجبرا بهم ولافسادا فيهم كما قال عكرمة العلو: التجبر. وقال سعيد بن جبير العلو: البغي وقال سفيان بن سعيد الثوري عن منصور عن مسلم البطين العلو في الأرض:التكبر بغير حق والفساد أخذ المال بغير حق وقال ابن جريج "لا يريدون علوا في الأرض" تعظما وتجبرا "ولا فسادا" عملا بالمعاصي. وقال ابن جرير حدثنا وكيع حدثنا أبي عن أشعث السمان عن أبى سلام الأعرج عن علي قال: إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل في قوله تعالى "تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين" وهذا محمول على ما إذا أراد بذلك الفخر والتطاول على غيره فإن ذلك مذموم كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنه أوحي إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد" وأما إذا أحب ذلك لمجرد التأمل فهذا لا بأس به فقد ثبت أن رجلا قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أحب أن يكون ردائي حسنا ونعلي حسنة أفمن الكبر ذلك ؟ فقال: "لا إن الله جميل يحب الجمال".
قال السعدي :
لما ذكر تعالى، قارون وما أوتيه من الدنيا، وما صار إليه عاقبة أمره، وأن أهل العلم قالوا: { ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا } رغب تعالى في الدار الآخرة، وأخبر بالسبب الموصل إليها فقال: { تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ } التي أخبر اللّه بها في كتبه وأخبرت [بها] رسله، التي [قد] جمعت كل نعيم، واندفع عنها كل مكدر ومنغص، { نَجْعَلُهَا } دارا وقرارا { لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا } أي: ليس لهم إرادة، فكيف العمل للعلو في الأرض على عباد اللّه، والتكبر عليهم وعلى الحق { وَلَا فَسَادًا } وهذا شامل لجميع المعاصي، فإذا كانوا لا إرادة لهم في العلو في الأرض والإفساد، لزم من ذلك، أن تكون إرادتهم مصروفة إلى اللّه، وقصدهم الدار الآخرة، وحالهم التواضع لعباد اللّه، والانقياد للحق والعمل الصالح.
وهؤلاء هم المتقون الذين لهم العاقبة، ولهذا قال: { وَالْعَاقِبَةُ } أي حالة الفلاح والنجاح، التي تستقر وتستمر، لمن اتقى اللّه تعالى، وغيرهم -وإن حصل لها بعض الظهور والراحة- فإنه لا يطول وقته، ويزول عن قريب. وعلم من هذا الحصر في الآية الكريمة، أن الذين يريدون العلو في الأرض، أو الفساد، ليس لهم في الدار الآخرة، نصيب، ولا لهم منها نصيب
قال الشوكاني :
- "تلك الدار الآخرة" أي الجنة، والإشارة إليها لقصد التعظيم لها والتفخيم لشأنها كأنه قال: تلك التي سمعت بخبرها وبلغك شأنها " نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض " أي رفعة وتكبراً على المؤمنين "ولا فساداً" أي عملاً بمعاصي الله سبحانه فيها، وذكر العلو والفساد منكرين في حيز النفي يدل على شمولهما لكل ما يطلق عليه أنه علو وأنه فساد من غير تخصيص بنوع خاص، أما الفساد فظاهر أنه لا يجوز شيء منه كائناً ما كان، وأما العلو فالممنوع منه ما كان على طريق التكبر على الغير والتطاول على الناس، وليس منه طلب العلو في الحق والرئاسة في الدين ولا محبة اللباس الحسن والمركوب الحسن والمنزل الحسن.
قال الطبري :
القول في تأويل قوله تعالى : تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)
يقول تعالى ذكره: تلك الدار الآخرة نجعل نعيمها للذين لا يريدون تكبرا عن الحقّ في الأرض وتجبرا عنه ولا فسادا. يقول: ولا ظلم الناس بغير حقّ, وعملا بمعاصي الله فيها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا عبد الله بن المبارك, عن زياد بن أبي زياد, قال: سمعت عكرمة يقول: ( لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَلا فَسَادًا ) قال: العلو: التجبر.
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن منصور, عن مسلم البطين ( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَلا فَسَادًا ) قال: العلو: التكبر في الحقّ, والفساد: الأخذ بغير الحق.
حدثنا ابن وكيع, قال: ثنا أبي, عن سفيان, عن منصور, عن مسلم البطين: ( لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ ) قال: التكبر في الأرض بغير الحقّ( وَلا فَسَادًا ) أخذ المال بغير حق.
قال: ثنا ابن يمان, عن أشعث, عن جعفر, عن سعيد بن حُبَير: ( لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ ) قال: البغي.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ( لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ ) قال: تعظُّما وتجبرا( وَلا فَسَادًا ): عملا بالمعاصي.
حدثنا ابن وكيع, قال: ثنا أبي, عن أشعث السمان, عن أبي سلمان الأعرج, عن عليّ رضي الله عنه قال: إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك صاحبه, فيدخل في قوله: ( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ).
وقوله: ( وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) يقول تعالى ذكره: والجنة للمتقين, وهم الذين اتقوا معاصي الله, وأدّوا فرائضه.
وبنحو الذي قلنا في معنى العاقبة قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة: ( وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) أي الجنة للمتقين.
قال بن ابي حاتم :
17928- حَدَّثَنَـا أَبِي، ثنـا الْهَيْثَمُ بْنُ يَمَانٍ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَوْنٍ الْخُرَاسَانِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَوْلُهُ: ﴿الدَّارُ الآخِرَةُ﴾، يَقُولُ:"الْجَنَّةُ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا﴾
17929- حَدَّثَنَـا أَبُو زُرْعَةَ، ثنـا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّارُ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَوْنٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿نَجْعَلُـهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ﴾، قَـالَ:"نَجْعَلُ الدَّارَ الآخِرَةَ لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ، عِنْدَ سَلاطِينِهَا وَمُلُوكِهَا".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عُلُوًّا فِي الأَرْضِ﴾
17930- حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، ثنا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ يَعْنِي ابْنَ جُبَيْرٍ: ﴿لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ﴾، قَالَ:"بَغْيًا".
الْوَجْهُ الثَّانِي
17931- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ: ﴿لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ﴾، قَالَ:"الْعُلُوُّ التَّكَبُّرُ بِغَيْرِ حَقٍّ".
الْوَجْهُ الثَّالِثُ
17932- حَدَّثَنَـا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، ثنـا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ الْحَسَنِ: ﴿لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ﴾، قَالَ:"الشُّرَفُ وَالْعِزُّ عِنْدَ ذَوِي سُلْطَانِهِمْ".
17933- حَدَّثَنَـا أَبِي، ثنا عَمْرُو بْنُ أَسْلَمَ الطَّرَسُوسِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ الأَسْوَدَ، فِي قَوْلِ اللَّهِ:"﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا﴾، قَالَ:"لَمْ يُنَازِعُوا أَهْلَهَا فِي عِزِّهَا التَّجَبُّرَ وَالتَّكَبُّرَ وَلَمْ يَجْزَعُوا مِنْ ذُلِّهَا".
17934- حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، ثنا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ، حَدَّثَنِي أَشْعَثُ بْنُ يَزِيدَ الشَّامِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلامٍ الأَعْرَجَ الْحَبَشِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، يَقُولُ:"إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحِبُّ أَنْ يَكُونَ شِسْعُ نَعْلِـهِ أَفْضَلَ مِنْ شِسْعِ صَاحِبِهِ، فَيَدْخُلَ فِي هَذِهِ الآيَةِ ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾".
17935- حَدَّثَنَـا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَمَّادٍ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُخْتَارِ، عَنْ عَنْ نُصَيْرٍ أَبِي الأَسْوَدِ، عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ﴾، يَقُولُ:"ظَلْمَاءُ".
17936- حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، ثنا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، قَالَ:"الاعْتِدَاءُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ".
17937- حَدَّثَنَـا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ:"﴿وَلا فَسَادًا﴾، قَالَ:"الْفَسَادُ الآخِذُ بِغَيْرِ حَقٍّ".
17938- حَدَّثَنَـا أَبُو زُرْعَةَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّارُ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَوْنٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ:"﴿وَلا فَسَادًا﴾ لا يَعْلَمُونَ بِمَعَاصِي اللَّهِ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾
17939- بِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، قَالَ:"الْعَاقِبَةُ: الْجَنَّةُ"، وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ مِثْلُ ذَلِكَ
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾
17940- حَدَّثَنَـا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، ثنـا زُنَيْجٌ، ثنا سَلَمَةُ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾، أَيْ:"لِمَنْ أَطَاعَنِي وَأَطَاعَ رَسُولِي"، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ
والحمدلله رب العالمين ,,
منقول
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا ,, وبعد ,,
قال تعالى :
{تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ }القصص83
قال بن كثير :
يخبر تعالى أن الدار الآخرة ونعيمها المقيم الذي لا يحول ولا يزول جعلها لعباده المؤمنين المتواضعين الذين لا يريدون علوا في الأرض أي ترفعا على خلق الله وتعاظما عليهم وتجبرا بهم ولافسادا فيهم كما قال عكرمة العلو: التجبر. وقال سعيد بن جبير العلو: البغي وقال سفيان بن سعيد الثوري عن منصور عن مسلم البطين العلو في الأرض:التكبر بغير حق والفساد أخذ المال بغير حق وقال ابن جريج "لا يريدون علوا في الأرض" تعظما وتجبرا "ولا فسادا" عملا بالمعاصي. وقال ابن جرير حدثنا وكيع حدثنا أبي عن أشعث السمان عن أبى سلام الأعرج عن علي قال: إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل في قوله تعالى "تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين" وهذا محمول على ما إذا أراد بذلك الفخر والتطاول على غيره فإن ذلك مذموم كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنه أوحي إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد" وأما إذا أحب ذلك لمجرد التأمل فهذا لا بأس به فقد ثبت أن رجلا قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أحب أن يكون ردائي حسنا ونعلي حسنة أفمن الكبر ذلك ؟ فقال: "لا إن الله جميل يحب الجمال".
قال السعدي :
لما ذكر تعالى، قارون وما أوتيه من الدنيا، وما صار إليه عاقبة أمره، وأن أهل العلم قالوا: { ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا } رغب تعالى في الدار الآخرة، وأخبر بالسبب الموصل إليها فقال: { تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ } التي أخبر اللّه بها في كتبه وأخبرت [بها] رسله، التي [قد] جمعت كل نعيم، واندفع عنها كل مكدر ومنغص، { نَجْعَلُهَا } دارا وقرارا { لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا } أي: ليس لهم إرادة، فكيف العمل للعلو في الأرض على عباد اللّه، والتكبر عليهم وعلى الحق { وَلَا فَسَادًا } وهذا شامل لجميع المعاصي، فإذا كانوا لا إرادة لهم في العلو في الأرض والإفساد، لزم من ذلك، أن تكون إرادتهم مصروفة إلى اللّه، وقصدهم الدار الآخرة، وحالهم التواضع لعباد اللّه، والانقياد للحق والعمل الصالح.
وهؤلاء هم المتقون الذين لهم العاقبة، ولهذا قال: { وَالْعَاقِبَةُ } أي حالة الفلاح والنجاح، التي تستقر وتستمر، لمن اتقى اللّه تعالى، وغيرهم -وإن حصل لها بعض الظهور والراحة- فإنه لا يطول وقته، ويزول عن قريب. وعلم من هذا الحصر في الآية الكريمة، أن الذين يريدون العلو في الأرض، أو الفساد، ليس لهم في الدار الآخرة، نصيب، ولا لهم منها نصيب
قال الشوكاني :
- "تلك الدار الآخرة" أي الجنة، والإشارة إليها لقصد التعظيم لها والتفخيم لشأنها كأنه قال: تلك التي سمعت بخبرها وبلغك شأنها " نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض " أي رفعة وتكبراً على المؤمنين "ولا فساداً" أي عملاً بمعاصي الله سبحانه فيها، وذكر العلو والفساد منكرين في حيز النفي يدل على شمولهما لكل ما يطلق عليه أنه علو وأنه فساد من غير تخصيص بنوع خاص، أما الفساد فظاهر أنه لا يجوز شيء منه كائناً ما كان، وأما العلو فالممنوع منه ما كان على طريق التكبر على الغير والتطاول على الناس، وليس منه طلب العلو في الحق والرئاسة في الدين ولا محبة اللباس الحسن والمركوب الحسن والمنزل الحسن.
قال الطبري :
القول في تأويل قوله تعالى : تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)
يقول تعالى ذكره: تلك الدار الآخرة نجعل نعيمها للذين لا يريدون تكبرا عن الحقّ في الأرض وتجبرا عنه ولا فسادا. يقول: ولا ظلم الناس بغير حقّ, وعملا بمعاصي الله فيها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا عبد الله بن المبارك, عن زياد بن أبي زياد, قال: سمعت عكرمة يقول: ( لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَلا فَسَادًا ) قال: العلو: التجبر.
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن منصور, عن مسلم البطين ( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَلا فَسَادًا ) قال: العلو: التكبر في الحقّ, والفساد: الأخذ بغير الحق.
حدثنا ابن وكيع, قال: ثنا أبي, عن سفيان, عن منصور, عن مسلم البطين: ( لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ ) قال: التكبر في الأرض بغير الحقّ( وَلا فَسَادًا ) أخذ المال بغير حق.
قال: ثنا ابن يمان, عن أشعث, عن جعفر, عن سعيد بن حُبَير: ( لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ ) قال: البغي.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ( لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ ) قال: تعظُّما وتجبرا( وَلا فَسَادًا ): عملا بالمعاصي.
حدثنا ابن وكيع, قال: ثنا أبي, عن أشعث السمان, عن أبي سلمان الأعرج, عن عليّ رضي الله عنه قال: إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك صاحبه, فيدخل في قوله: ( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ).
وقوله: ( وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) يقول تعالى ذكره: والجنة للمتقين, وهم الذين اتقوا معاصي الله, وأدّوا فرائضه.
وبنحو الذي قلنا في معنى العاقبة قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة: ( وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) أي الجنة للمتقين.
قال بن ابي حاتم :
17928- حَدَّثَنَـا أَبِي، ثنـا الْهَيْثَمُ بْنُ يَمَانٍ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَوْنٍ الْخُرَاسَانِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَوْلُهُ: ﴿الدَّارُ الآخِرَةُ﴾، يَقُولُ:"الْجَنَّةُ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا﴾
17929- حَدَّثَنَـا أَبُو زُرْعَةَ، ثنـا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّارُ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَوْنٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿نَجْعَلُـهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ﴾، قَـالَ:"نَجْعَلُ الدَّارَ الآخِرَةَ لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ، عِنْدَ سَلاطِينِهَا وَمُلُوكِهَا".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عُلُوًّا فِي الأَرْضِ﴾
17930- حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، ثنا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ يَعْنِي ابْنَ جُبَيْرٍ: ﴿لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ﴾، قَالَ:"بَغْيًا".
الْوَجْهُ الثَّانِي
17931- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ: ﴿لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ﴾، قَالَ:"الْعُلُوُّ التَّكَبُّرُ بِغَيْرِ حَقٍّ".
الْوَجْهُ الثَّالِثُ
17932- حَدَّثَنَـا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، ثنـا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ الْحَسَنِ: ﴿لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ﴾، قَالَ:"الشُّرَفُ وَالْعِزُّ عِنْدَ ذَوِي سُلْطَانِهِمْ".
17933- حَدَّثَنَـا أَبِي، ثنا عَمْرُو بْنُ أَسْلَمَ الطَّرَسُوسِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ الأَسْوَدَ، فِي قَوْلِ اللَّهِ:"﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا﴾، قَالَ:"لَمْ يُنَازِعُوا أَهْلَهَا فِي عِزِّهَا التَّجَبُّرَ وَالتَّكَبُّرَ وَلَمْ يَجْزَعُوا مِنْ ذُلِّهَا".
17934- حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، ثنا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ، حَدَّثَنِي أَشْعَثُ بْنُ يَزِيدَ الشَّامِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلامٍ الأَعْرَجَ الْحَبَشِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، يَقُولُ:"إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحِبُّ أَنْ يَكُونَ شِسْعُ نَعْلِـهِ أَفْضَلَ مِنْ شِسْعِ صَاحِبِهِ، فَيَدْخُلَ فِي هَذِهِ الآيَةِ ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾".
17935- حَدَّثَنَـا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَمَّادٍ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُخْتَارِ، عَنْ عَنْ نُصَيْرٍ أَبِي الأَسْوَدِ، عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ﴾، يَقُولُ:"ظَلْمَاءُ".
17936- حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، ثنا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، قَالَ:"الاعْتِدَاءُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ".
17937- حَدَّثَنَـا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ:"﴿وَلا فَسَادًا﴾، قَالَ:"الْفَسَادُ الآخِذُ بِغَيْرِ حَقٍّ".
17938- حَدَّثَنَـا أَبُو زُرْعَةَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّارُ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَوْنٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ:"﴿وَلا فَسَادًا﴾ لا يَعْلَمُونَ بِمَعَاصِي اللَّهِ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾
17939- بِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، قَالَ:"الْعَاقِبَةُ: الْجَنَّةُ"، وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ مِثْلُ ذَلِكَ
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾
17940- حَدَّثَنَـا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، ثنـا زُنَيْجٌ، ثنا سَلَمَةُ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾، أَيْ:"لِمَنْ أَطَاعَنِي وَأَطَاعَ رَسُولِي"، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ
والحمدلله رب العالمين ,,
منقول