زيارة فى تايلاند
كثيرا ما نسمع أن للسفر سبع فوائد، ولكني أرى أن للسفر مليون فائدة، والمسألة لا تقاس من باب الرفاهية والتسوق فقط، كما يعتقد الكثير منا وربما تختلف الأهداف العامة للسفر في أي جهة في العالم من شخص إلى آخر، ولا يطرق أبواب هذه الدولة إلا من منطلق أهدافه واحتياجاته الخاصة، سواء كانت للتسوق أم الرفاهية أم للعلاج أو الدراسة وغيرها من الأسباب التي دعته للسفر إليها، وربما من خلال زيارتى لأول مرة فاكتشفت العديد من أسرار السفر، وإن كنت متوجهة للعلاج وتكتشف ثقافة هذا الشعب من زوايا مختلفة من خلال الانطباع الأول والمواقف التي تفرض نفسها وأنت خارج الوطن بإيجابياته وسلبياته، وربما يطبق عليهم "مسلمين بلا إسلام" بما يمتاز به هذا الشعب من الجنسين بدرجة عالية من الأخلاق والاحترام وآداب المعاملة منذ وصولك وحتى آخر يوم، وتكاد لا ترى في بداية اللقاء طريقة معينة من التحية في طريقة استقبالهم تحمل معها ابتسامة راقية وتواضعا رفيع المستوى من أكبر شخص يملك مكانة علمية واجتماعية عالية إلى أقل عامل لديهم، واعتقدت في بداية الأمر أن هذه التحية خاصة لأني ضيفة عليهم وتفاجأت بأنهم يعتادونها مع الجميع، وربما في مجتمعاتنا تعددت أسباب الابتسامة بناء على المصلحة والمكانة المادية والاجتماعية، ومن زاوية أخرى مدى احترامهم وتقديرهم لقيمة العمل واتقانه في آن واحد، والتي نفتقدها في عالمنا العربي وأصبح التقدير للمسمى الوظيفي والمناصب الإدراية فقط وإضافه للهدوء التام الذي يتسم به المكان، سواء كنت في جهة حكومية أو بالمستشفى، وحتى بالشارع ولا تسمع أي لون من ألوان الضجيج الذي نراه في واقعنا العربي وكلا منهم يعمل بصمت تام ولديه مهام معينة يقوم بها، وحتى حركة المرور تسير باحترام بالغ لقواعد السير المروري رغم الزحام الشديد، ونادرا ما ترى تذمرا أو استخدام آلة التنبيه لتعجيل الحركة، ولكن تتسم بالصبر والتأني رغم حرارة الجو، ومن جانب آخر جسر المشاة، والذي يخفف من الزحام الشديد ويربط عدة مجمعات وأماكن متعددة في آن واحد وبسهوله ويسر، وإضافة لوسائل المواصلات الأخرى، ولو ألقينا الضوء على الخدمات الطبية التي تقدم على أعلى مستوى من الدقة والإتقان والمصداقية، وإن كنت تدفع بالمقابل قيمتها ماديا، ولكن بدون إزعاج ولا ضغط نفسي، فالمستشفيات تقدم خدمات فندقية وطبية وروح العمل الجماعى في آن واحد وبصمت منذ دخولك حتى خروجك منها بلا معاناة ولا توتر، ابتداء من الطبيب إلى أقل عامل، وكل يعمل كعقرب الساعة، وإضافة إلى سياستهم الإدارية في التسويق الفندقي والطبي والنفسي الذي يوفر السلامة والصحة النفسية للمريض والمرافق في آن واحد، ويكاد تفوقت به تايلاند بشكل جذري، ورغم ذلك توفر دولتنا كافه الخدمات والأجهزة الطبية بصورة أعلى منهم، ولكن ينقصنا الدقة وفن التعامل والثقة في مؤسستنا الطبية من جديد، وإضافة إلى إتاحة التسوق بشكل ترفيهي يناسب كافة الأعمار والأسعار المتاحة للجميع، ويليها ثقافتهم الصحية في اعتمادهم على الوجبات النباتية والصحية بعيدة كل البعد عن الوجبات السريعة والدسمة التي جلبت العديد من الأمراض إلى مجتمعاتنا نتيجة الثقافة المجتمعية، وما يلفت انتباهك من جوانب أخرى الفواكه والعصائر الطازجة المنتشرة في كل مكان تخطو إليه وتجذبك لتناولها، حتى أصبحت ثقافة بينهم، والتي نتمنى أن نرى انتشارها في مجتمعاتنا وتسليط الضوء عليها بنفس انتشار الوجبات السريعة، والتي انتشرت بسببها السمنة المفرطة من الأطفال والكبار وإضافة تعتبر سلة الفواكه هي الهدية التي تقوم بإهدائها، سواء كان للمريض أو أي شخص آخر تريد إهداءه هدية، وعندما سألت عن محل شكولاته، قالوا إن نمط الهدايا لديهم هو الفواكه ، فتعجبت من بساطة الحياة عند الشعب التايلاندي، بعيدة كل البعد عن حب المظاهر والمبالغة فيها، والتي أفسدت العلاقات الاجتماعية في مجتمعاتنا العربية والخليجية، والتركيز على أنفسهم في ممارسة أعمالهم اليومية بدون لفت الانتباه إليهم أو إرضاء مسؤول أو تذمر من المهنة التي يمارسها، ولكنه شعب يسير مثل عقارب الساعة، والتي نأمل أن تسير مجتمعاتنا بهذا النمط الحضاري في السلوك والعمل، رغم بساطة الحياة وضعف الحياة المادية، ونحن نملك كافة الطاقات المادية والبشرية ولا ينقصنا شيء حتى ننهض بمجتمعاتنا التي أهلكتها بوادر الانفتاح الاقتصادي والثقافي والتكنولوجي، ونحن قادرون على ذلك.